اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

296

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

مختلف النواحي . وقد أثبتت الدراسة العميقة التي قام بها ياكوب Jacob أن التحليل الدقيق لرواياته التي كانت تنسب قبلا إلى محيط الأساطير قد يكشف في كثير منها عن أسس واقعية وعن دقته الكبيرة في الملاحظة . ويورد أبو حامد أسماء رواته بدقة ويتحدث عن نفسه بضمير المتكلم 193 ولهذا يمكن التفريق بسهولة بين مصادر مادته . وكثير مما يورده على لسان الغير لا يمثل في الواقع أهمية ما وذلك - - لسهولة تصديقه للعجائب 194 واعتقاده فيها ، ولكنه على أية حال يبذل دائما قصارى جهده لتوسيع نطاق معلوماته . ففي القاهرة مثلا يتجاذب أطراف الحديث مع أحد أهل الحجاز عن عجائب الهند والصين 195 حيث أمضى ذلك الرجل هناك أربعين عاما ؛ وفي بغداد يستفهم من أحد مسلمى صقلية عن ثوران بركان اتنا 196 ؛ وفي هنغاريا يجمع أخبار مفصلة من أهل البلاد عن القسطنطينية والمشاكل السياسية فيها 197 . وتنال أهمية خاصة روايته لما رآه بعيني رأسه ، وهو يمثل ثلث الكتاب بالتقريب 198 . واهتمامه بالأبنية والمعالم المختلفة قد خلف لنا مقدارا ملحوظا من المعطيات الطريفة ، فهو قد رأى أعمدة هرقل عند مضيق جبل طارق وذلك قبل فترة قصيرة من انهيارها عام 1145 . وكان واحدا من بين آخر من رأوا فنار الإسكندرية في صورته التامة ؛ وآخر من ذكره كان الإدريسى 199 . وبعين شمس قرب القاهرة رأى المسلة المعروفة التي سقطت عام 1160 200 كما نفذ إلى داخل هرم خوفو 201 ؛ ويعلق ياكوب على هذا بقوله إن هذه ليست الحالة الوحيدة التي قد تثير اهتمام علماء الدراسات المصرية القديمة ( Egyptology ) في كتابه 202 ؛ ويصدق هذا القول على مجالات أخرى كثيرة . وإذا حدث وأن وجد لديه علماء التاريخ الطبيعي مادة طفيفة 203 إلا أن معلوماته ذات قيمة كبرى فيما يتعلق باستفادة الإنسان من ثمار الطبيعة ، العضوية منها وغير العضوية 204 . وليس من المستطاع بطبيعة الحال مقارنة معلوماته عن أوروبا من ناحية الكم بما أورده غيره من الجغرافيين ، ولكن رغما من ذلك نجد من بينها معطيات قيمة كذكره للألمان تحت اسم « نامس » 205 « * » ، ومثل حكايته عن هنغاريا التي مكنت العلامة البولندى لفتسكى منذ عهد قريب من إلقاء ضوء جديد على مشكلة أصل المسلمين الهنغاريين ووضعهم 206 . ويرتبط بهذه المسألة الأخيرة وصفه لمدينة « رومية العظمى » التي يجب أن نبصر فيها القسطنطينية لا رومة نفسها ، وذلك رغم المحاولات العديدة لربطها بالأخيرة 207 . هذا وقد تعرف العلم الروسى على أبى حامد منذ عهد طويل ، ويرجع الفضل في ذلك - - إلى العلامة دورن Dorn الذي كان من أول العلماء الذين اشتغلوا بدراسة الغرناطي دراسة جدية وكان ذلك في عام 1872 ، على الرغم من أن ذكر الغرناطي يرد في الغرب منذ عهد دربلو d'Herbelot

--> ( * ) يذكرنا باسم النمسا الذي أخذناه عن العثمانيين الذين أخدوه بدورهم عن الصقالبة ، وهو الاسم الذي ينعت به هؤلاء الأخيرون الشعوب الجرمانية ومعناه لديهم « البكم » ، أي الأعاجم . ( المترجم )